إبراهيم عيسى يكتب: الخالق الناطق!

Fri, 27-01-2012 – 10:31 | إبراهيم عيسى
من أول السطر

حتى الآن لا توجد أمارة على أن المشير ليس كرئيسه.

هى نفس الملايين التى خرجت تطالب مبارك بالرحيل، فلما لم يرحل وعاند وتعنت وأصر رفعت مطالبها إلى محاكمته، لا رحيله فقط، هى تخرج فى مليونيات وتدعو إلى جمعة غضب وتمضى فى مسيرات تضم كل القوى الحية إلى المجتمع، تطالب المشير ومجلسه العسكرى بتسليم الحكم لسلطة مدنية.

هل سمع المشير وجنرالاته صوت الملايين أم استنسخوا تجربة مبارك ورجاله فلم يصل إلى سمعهم شىء إلا صخب المنافقين حولهم والمستفيدين منهم والحريصين على مقاعدهم ومناصبهم؟

أكيد الجنرالات تابعوا ما يجرى فى الميدان من نفس كاميرات التصوير المبثوثة فى التحرير، التى تعرض على الهواء مباشرة ما يجرى فى الميدان على شاشات مركز القيادة فى القوات المسلحة، هم شاهدوا لكن هل سمعوا؟ ثم والأهم هل تَلقّوا الرسالة وفهموها؟

ما الذى يريده المجلس العسكرى الآن؟

يريد ستة أشهر مثلما كان يريد مبارك، لكن لماذا يصمم عليها «العسكرى»، رافضا أن ينصت إلى ضمير الشعب؟

نحن أمام احتمالين: الأول أن لديه خطة للتمسك بدور فى قيادة البلاد، وتصميما على القبض على مقاليد السلطة، وهذا احتمال وارد عند كثيرين. لكن بصرف النظر عن صحة ودقة الاحتمال فإنه خلاص فشل تماما، ولو كان الجنرالات لا يستوعبون أن هذه الخطة قد فشلت نهائيا يبقى أكيد فيه مشكلة فى التقدير والاستيعاب عند هؤلاء الجنرالات، إما بسبب طول البقاء على مقاعدهم وإما بسبب السن، لكنها فشلت ولن يسمح للمجلس أحد بتمرير هذه الخطة، وحتى حلفاؤه من الإخوان المسلمين والسلفيين على أغلبيتهم فى البرلمان لا يملكون منحه أى ميزة من أى نوع فى الحكم وإلا طالتهم النار قبل أن تصل إلى أحد آخر.

الاحتمال الثانى أن المجلس العسكرى يتمتع بعدم فهم مذهل للسياسة ويملك قدرة مثيرة للدهشة وللعجب على الفشل وعدم الاعتراف به، وهو هنا من باب العناد والمكابرة يرفض تسليم السلطة، لأن شوية عيال قلبوا عليه البلد ومصممين يسلمها، وهو لن يستسلم لهؤلاء المأجورين المموَّلين. والمشير هنا طبق الأصل مبارك، والجنرالات توأم ملتصق للرجال المحيطين يومها بمبارك، فيكبِّرون فى رأسه عدم الاستجابة للثوار وينتقصون من أهمية الثورة. الفارق فقط أن رجال مبارك كانوا يقولون له إن الأمر كله خطة من الإخوان المسلمين الذين يقفون وراء الثورة، بينما رجال المشير وجنرالاته يقنعونه بأن الإخوان معانا وملتزمون بالاتفاق على الاستمرار حتى يونيو، حفاظا على ماء وجه الجنرالات، واتفاقا على مكسب ينتزعونه فى الدستور بحصانة أو وضعية خاصة!

ماذا سيفعل المجلس العسكرى؟

هل سيخلِّص نفسه من مصير لا يتمناه فيقطع الطريق على مزيد من التوتر بينه وبين الثوار، ويقرر العودة إلى الثكنات وتسليم السلطة لرئيس مؤقت من البرلمان أو خارجه، ويمضى محافظا على آخر ما تبقى له من فرصة للاستمرار فى مكانه بمكانته؟ أم يستمر فى عناده ومكابرته وبطئه وعدم قدرته على الاستيعاب للحقائق الساطعة ويتعامى عن أن الملايين لم تعد تثق به ولا تحبه ولا تريده، ويرمى حمولته كلها على الطيبين الجالسين فى بيوتهم ممن يحب أن يسميهم المواطنين الشرفاء الذين لا حول لهم فى الثورة ولا قوة لهم فى الشارع، ويعتقد أنهم -بصمتهم وسكوتهم- يؤيدونه (يا اخواتى هوّ الخالق الناطق حسنى مبارك!).

أغلب الظن أن المجلس العسكرى سيكون عند سوء ظننا به!

سيقرر الصمت والتجاهل أو يلجأ إلى الحيل الساذجة من تقليب الشعب على بعضه وبث الذعر والرعب فى قلوب الناس عن مخططات ومؤامرات وتفجيرات، وكل هذا اللغو الذى لم يُخِف أحدا ولم يجعل مواطنا واحدا من ملايين الثوار يتردد فى النزول من بيته ولم يؤثر على مئات الآلاف الذين ملؤوا الشوارع بالمسيرات والمظاهرات، فشلت خطة المصدر الأمنى السخيف السخيفة، وباتت نكتة مملة من أيام مبارك، بينما يصمم المجلس على ترديدها بمنتهى الحماس المثير للشفقة بتنويعاتها، عن الأصابع الخارجية والمخططات العالمية، وكل هذا الهراء الذى تبقى مصيبة سوداء لو المجلس مصدقه، لأنها كانت مصيبة سوداء على مبارك وعمر سليمان ورجالهما حين صدقوه!

انتهى أسلوب التخويف والترهيب والتهديد ولم يعد له أى تأثير ولا أى أثر، فقد كسر الثوار حاجز الخوف نهائيا ورفعوا سقف الحرية حتى طالت السماء، فلا يفرق عندهم مشير من مرشد من غفير متى شعروا بأن أحدا يهدد الثورة ويضرب أحلامهم لمصر.

لا أعتقد أن المجلس العسكرى قد تعلّم من أخطائه، وهى كثيرة جدا، فقد أفسد علينا اقتصادنا وخرب علينا سياحتنا ولم يرجع إلينا أمننا وأماننا، ورفع لنا الأسعار، وخلق أزمات من الغاز إلى البنزين، وأدار البلد بكل عشوائية وعبثية وارتجال، ولم ينجح إلا فى السماح للأحزاب الدينية بالسيطرة على البرلمان.. بل هو يصر على الانتقال من مرحلة الأخطاء إلى مرحلة الخطايا!

لا حبة من خردل من أمل لدىّ فى استيعاب المجلس العسكرى درس «25 يناير» الجديد، لكن مين عارف؟ ربنا يهدى!


Leave a Reply

Your email address will not be published.

Facebook Like Button for Dummies