إبراهيم عيسى يكتب: قضاء ما بعد مبارك!

Thu, 16-02-2012 – 11:30

 من أول السطر  

إبراهيم عيسى   عشرات الشهود حكوا عن مشاهد تكررت فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة حيث كان قضاة ومستشارون من رؤساء اللجان يدعون الناخبين للتصويت لصالح حزب الحرية والعدالة، وكان هناك من المستشارين من يهلل فرحا ويستشهد بآيات القرآن الكريم عن نصر المؤمنين حين يعلن فوز الإخوان بعد فرز الأصوات!   لا حيلة لأحد فى نفى وجود ولاءات فكرية وعاطفية داخل الجهاز القضائى فى مصر للتيار الإسلامى، هل هذا ينعكس على أحكام هؤلاء؟   بالقطع سينفى الجميع، ثم إنه أمر لا يمكن ضبطه وفى حاجة إلى تفتيش ضمائر وقلوب، وهو ما لا يجب كما لا يمكن حدوثه!   السؤال الآن: هل يمكن الحفاظ على مؤسسة القضاء من التحزب ومن سيطرة فصيل سياسى شاءت إرادة الجماهير أن يكون هو الحزب الحاكم خلال السنوات الخمس القادمة، (على الأقل)؟ كأننا أمام خطر التحول من موالاة للحزب الوطنى (وجهازه الأمنى) إلى موالاة للتيار الدينى (وجهازه السياسى).   طبعا من الممكن أن تنفر عروق البعض ويزعموا أن القضاء مستقل وتبَّت يد من يكتب وقطع لسان من يقول إنه ليس مستقلا، لكن الحماس المخلص والمنفعل لا يكفى لإثبات أى شىء!   أولئك الذين يملكون من الجرأة والتجرؤ على التصريح بأن القضاء فى مصر مستقل، يتجاهلون تماما أنه لم تعد فى مصر خلال عصر مبارك وحتى الآن قطعا هيئة أو مؤسسة واحدة مستقلة، نحن دولة مستقلة بلا مستقلين، لا شىء فى بلدنا مستقل، كله تحت السيطرة ومحتل احتلالا كاملا من الدولة (لعلى سبق وكتبت هذا منذرا ومحذرا لكن الطرش سمة بلدنا الأصيلة)، إذا تأملت -دون انفعال- تجد أمور إدارة وأحوال القضاء والقضاة الوظيفية والمعيشية فى يد مجلس معين غير منتخب هو المجلس الأعلى للقضاء. وكانت الدولة كلما رضيت عن واحد من رجاله مدت له قانون الخدمة بعد سن المعاش، وكلما توجست من واحد آخر ألغت مد سن المعاش، ثم لديك نائب عامّ معين من قبل رئيس الدولة، وهو أمر يسحب فورا من المنصب استقلاليته، فكيف يكون مستقلا وهو موظف عينه الرئيس وجاء به إلى منصبه؟! ربما يكون موظفا عظيما، أو شخصا نبيلا، لكنه ليس مستقلا بالقطع عن جهاز الدولة ولا مشروعها، كذلك فالقضاء يستوعب داخله على مدى سنوات حكم مبارك عددا وافرا ومنتظما ومتضخما من ضباط الشرطة -خصوصا من جهاز أمن الدولة- الذين صاروا وكلاء نيابة ثم قضاة. والضباط تعودوا على الطاعة وسماع أوامر رؤسائهم، فضلا عن ممارسات وصفات يكتسبها الضابط من عمله تضفى على شخصيته ملامح لا يجوز بحال من الأحوال أن تكون موجودة فى نفس وروح القاضى، ولم نسمع أبدا فى حياتنا أن ضابطا تولى وزارة العدل، فلماذا نقبل أن يجلس ضباط على منصة القضاة؟ وصار طبيعيا جدا أن نلمس كثيرا روح الضابط فى حكم قاضٍ، وحماس الضابط تغلب على وقار القاضى (سأحيلك إلى مؤتمرات صحفية لقضاة يحققون فى قضية ذات بعد سياسى هذه الأيام لتتأكد من مزاعمى!)، ثم انتشرت ظاهرة انتداب القضاة فى الوزارات والمصالح الحكومية، بمعنى أن يعمل القاضى الذى يجلس على منصة القضاء موظفا فى وزارة أو مصلحة حكومية تحت اسم مستشار، يكون فيها تحت ولاية الوزير أو المدير، يتلقى تعليمات الوزارة ويستجيب لطلباتها فى ما يخص مشروعية ترقيات فلان أو تعيينات علان أو مسار تحقيقات داخلية أو وضع قرارات منضبطة قانونا أو تخريجات وثغرات فى إجراءات أو منازعات مع وزارات وهيئات أخرى، وفى كل هذا، القاضى هنا موظف داخل هذه المؤسسة يتقاضى أجرا وراتبا ومكافآت وحوافز وعلاوات وما إلى ذلك، وهذا الانتداب يصنع ولاء ولو معنويا أو حتى شبهة الولاء لأكل عيشه من وزارة أو مؤسسة، وتصبح ميزانية إنفاق القاضى على شؤون بيته وأسرته إلى جانب راتبه كقاضٍ معتمدة بقليل أو كثير على موارده من الوزارة، مما يضع القاضى (حيث إنه بشر) فى موضع الإغواء والإغراء، ويراوح نفسه بين مصلحة أولاده وأسرته باستمرار الانتداب السخى، وموقف قد تزول معه هذه الامتيازات، وهناك من ينجح فى الاختبار، وهناك من لا يصادفه التوفيق! ثم تبقى كذلك قدرة الجهة الإدارية سواء وزارة العدل أو المجلس الأعلى للقضاء على توجيه الإعارات للقضاة والتحكم فى معاييرها وتطبيق هذه المعايير بما يجعل الإعارة لبلد عربى بندا من بنود اختراق استقلال القضاة، كذلك فلا يزال منهج تعيين المحافظين يعتمد على حصص مكافأة المخلصين من الموالين للدولة فى الجيش والشرطة والقضاء، وهو ما يجعل استقلال القضاء أثرا بعد عين، فإذا كان القاضى ينتظر فى لحظة ما جزاء وفاقا ومكافأة دولة بتعيينه محافظا بكل ما فى المنصب من امتياز معنوى ومادى، وإذا كان للقضاة نصيب دائم وقسمة معلومة فى كل حركة تعيينات، فطموح القاضى يعطل استقلاله. الكارثة ليست فقط فى عدم وجود قضاء مستقل فى مصر بل فى الزعم بأن القضاء مستقل، والمؤكد كما كررت كثيرا أن فى مصر قضاة مستقلين، لكن ليس فيها قضاء مستقل… سواء كان مستقلا عن دولة مبارك أو مستقلا عن دولة ما بعد مبارك وما بعد بعد مبارك!

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Facebook Like Button for Dummies