January 24th, 2012 10:06 am

إبراهيم عيسى

يحاول المجلس العسكرى -طيَّب الله ذكره- أن يقدم البرلمان الذى بدأ جلساته أمس باعتباره أحد منجزات المجلس العسكرى، والحقيقة أن البرلمان وما سبقه من إجراء اتتخابات حرة (لا أقول أبدا ديمقراطية!) هو منجَز للثورة، لم يفعل فيه «العسكرى» شيئا إلا إفساده عبر الموافقة على أحزاب دينية يخالف فيها كل الدساتير والقوانين بمنتهى الاستخفاف والخفة، وكذلك عبر قانون انتخابات مشوه ونظام تصويت معقد أفسد أكثر مما أصلح، لكن يبقى أن مجلس الشعب وقد انعقد أخيرا يقف بنوابه وأحزابه فى مفترق طرق، هل سينحاز إلى الميدان وثورته أم إلى النظام القديم البليد بسلطته المتمثلة فى المجلس العسكرى؟ هل سيصوغ قوانين وتشريعات مصر لصالح شعبها وثورته أم لصالح المصالح السلطوية والمكاسب الحزبية الضيقة؟

هنا السؤال: هل نواب برلمان جاؤوا بفضل الثورة ونتيجة لها سيقفون مع أهدافها وشعاراتها ومطالبها أم ينحازون إلى خصومها وأعدائها، بل ويتحولون إلى خصوم لها وأعداء لأحلامها وثوارها فى تنكر وجحود بعض ملامحه بدت، وإن كنا -تعففا وترفعا- نتجاوز عنها، مفترضين حسن النوايا!!

المهم أن يعتقد البرلمان -مقتنعا- أنه لا يحصل على شرعيته لمواجهة شرعية الميدان أو لنفيها أو لإلغائها، فالمؤكد أن سلطة الجماهير وقوة المجتمع وصلابة الشارع تحمل شرعية أقوى، وهى شرعية الثورة فى الدول التى شهدت ثورات قريبة أو شرعية الرأى العام كما نرى فى الدول المتقدمة!

البرلمان فى أى دولة ديمقراطية لا يسحب من الميدان شرعيته ولا حقه المشروع والمفتوح دون قيد أو شرط فى أن يطالب ويرفض ويضغط، وكم من حكومات سقطت واستقالت رغم مجيئها بالانتخابات (التى هى حرة وعادلة وليس كما جرى فى مصر من انتخابات أخيرة حرة لكن ليست عادلة!) نتيجة حركة الشارع، سواء من مظاهرات حاشدة أو مسيرات مستمرة أو إضرابات واعتصامات، لا يوجد فى الدنيا هذا المنطق البالى الذى يحاول المجلس العسكرى وحلفاؤه المخلصون من الأحزاب الدينية أن يوصلوه إلى الناس فى مصر ويقنعوا به الشعب، وهو منطق يزعم أنه خلاص ما دام هناك برلمان منتخب اتفضلوا بقى روحوا البيت ونتقابل بإذن الله فى الانتخابات الجاية!

هذا منطق فارغ يصدر عن ناس لا تعرف ديمقراطية ولا حتى قرأت عنها فى الكتب، الديمقراطية تعنى بوضوح أن الأمة مصدر السلطات، والأمة ليست البرلمان المنتخب فقط بل النقابات المهنية والعمالية واتحادات الفلاحين والطلبة والهيئات الممثلة لطوائف الشعب، وكذلك الأقليات وأصحاب المهن والمظاهرات والمسيرات والصحف ومحطات التليفزيون. الأمة هى الرأى العام اللاعب الرئيسى حتى فى قرارات البرلمان، فلا يوجد برلمان محترم ولا حكومة طبيعية جاءت بانتخابات نزيهة إلا ويضع كلاهما الرأى العام فى الاعتبار وضمن مسوغات أى قرار حكومى ورسمى، ومن ثم فإن مجلس الشعب لا يختطف فى مصر السلطة ويجرى، ولا هو يتجاهل الرأى العام ويمضى فى قراراته وقوانينه، ولا هو ينتقص من قوة وقدرة الميدان، بل العكس هو المفروض والمفترض كذلك، أن يستجيب البرلمان للشعب بعمومه وهمومه وليس بصناديق فقط.

وخذ عندك فى أعتى أمهات الديمقراطية مثل إنجلترا، ليس هناك شك فى ديمقراطية ونزاهة وحرية انتخاباتها ونتائجها، ومع ذلك فإن قرار الحكومة مثلا بالمشاركة فى الحرب ضد العراق واجه رفضا شعبيا مدويا، وخرج مئات الألوف من البريطانيين فى لندن وحدها ضد هذا القرار، ونظمت المظاهرات والمسيرات، تنديدا بهذا القرار، رغم صدوره من حكومة منتخبة لا طعن فى شرعية صعودها للحكم، ولم يقل لهم أحد أفٍّ ولا نهرهم لأنهم خرجوا فى مظاهرات رغم أن برلمانهم موجود، لا وكمان وافق!! وغير هذا كثير من إضرابات ومظاهرات واعتصامات ضد الحكومة (التى هى مرة أخرى منتخبة) عندما تفكر فى اتخاذ قرارات يرفضها الشعب أو قطاعات منه. نفس الحال تجدها فى الولايات المتحدة الأمريكية وفى غيرها من البلدان الديمقراطية، فلا يعنى أبدا وجود هيئة تشريعية منتخبة فيها أن الشعب يربّع ويحط إيديه فى جنبه ويسمع الكلام ويوافق ما دام خلاص انتخب ورمى بطاقة التصويت فى الصندوق، وكم من حكومة عجلت بانتخابات مبكرة لإحساسها أن الشارع ضدها ويرفض سياستها أو أنها لم تقنع الشارع بالهدوء وقبول قراراتها!

المؤكد أن مجلس الشعب، الذى شهدنا جلسته الأولى، تحت اختبار حقيقى، خصوصا أن معظم من وصل إلى مقاعده من المحدثين الهواة فى السياسة القادمين من صحراء سياسية قاحلة وغير مدربين -ولا مؤهلين- على الممارسة البرلمانية والنيابية، وهو أمر قد يكون فى صالح البكارة الديمقراطية فى مصر، وقد يكون إجهاضا لمنتج من منتجات أعظم ثورات الشعب المصرى، ولهذا فإن الحضور الجماهيرى والجموع الثورية فى الميادين وصوت الضمير عالى الرنين، الذى يعلو من حناجر آلاف المصريين فى مظاهرات خمسة وعشرين يناير أو ما بعدها أو ما بعد بعدها، هو صانع القرار الحقيقى لمستقبل هذا البلد، وأظن أن على البرلمان أن ينصر الميدان، عسى أن يحتاج البرلمان يوما إلى الميدان فلا يجده، فمن لا ميدان له لا برلمان له!

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *