إبراهيم عيسى يكتب:إجهاض الثورة

 الأحد 5 فبراير 2012 – 11:40 ص

كان مسلم بن عقيل مندوب الحسين بن علِى ورسوله قد جاء إلى الكوفة ليحصل على بيعتها لحفيد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد نادى فى أصحابه الثوار أن يخرجوا إلى الناس وقد امتلأت بهم الدور واحتشدت جموعهم بالأسطح وازدحمت صفوفهم فى الشوارع، وسار أربعة آلاف من جنود الثورة يقودهم مسلم إلى مقعد إمارة الكوفة وأميرها عبيد الله بن زياد رجل يزيد بن معاوية الأثير فغلّق عبيد الله الأبواب وهدير الغضب يسطع فى سماء الكوفة المظلمة (..).   أربعة آلاف خرجوا مع مسلم إلى القصر.

الطريق فى سرعتهم واحتشادهم لا يستأهل ساعة أو أكثر.   لكن هذا الوقت كان كافيا أن يبقى فقط مع مسلم ثلاثون جنديا.   3970 جنديا انصرفوا عن نصرة مسلم وباعوا بخوفهم وجزعهم وضَعفهم حفيد النبى، فقد لعبها ابن زياد لعبة كاملة الصحة والدهاء.    لم يكن معه إلا بضعة جنود أشبه بالحرس الجمهورى، ولكنه أرسلهم إلى بوابات المدينة ومداخلها يلتقون الآلاف الوافدة للقتال مع مسلم، يدخلون إلى قائد كل فريق، ويصافحونه ويحيّونه ويطلبون منه أن يحفظ الدم ويتقى الله فى أهله وعشيرته، ويأتى إلى ابن زياد فيفاوضه ويسمع منه وله، ولما يدخل القصر ويسقط فى الشرك، يُسجن فورا، فلما غاب القادة انصرف العسكر وتردد الجمهور ثم أرسل أشراف القوم، أصحاب المصلحة الحقيقية فى بقاء يزيد بن معاوية خليفة وابن زياد وليا، حيث الثراء للأثرياء والسلطان للأشراف والعدل لهم وحدهم.. وليبقَ الفقراء لبكاء الليل وصدقات الأعياد وموائد الرحمن فى رمضان.   قام هؤلاء الأشراف بأكمل ما يمكن أن تقوم به الفضائيات المأجورة والصحف المشتراة.. وبثت دعاياتهم فى الآلاف..    «أيها الناس الحقوا بأهاليكم ولا تعجلوا الشر ولا تعرضوا أنفسكم للقتل فإن هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت وقد أعطى الله الأمير عهدا لإن أتممتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيتكم أن يحرم ذريتكم العطاء وأن يأخذ البرىء بالسقيم والشاهد بالغائب».   هذا البيان -بحذافيره- تم صكه على مدى القرون الماضية لتثبيط الهمم وشراء الذمم والضغط فوق الضعف واللعب فى أعماق الجرح ومغازلة ثم مضاجعة الغرائز.    الخطة الإعلامية مُحكَمة والدعاية السوداء بلغت مداها إلى الحد الفاجع الذى كانت فيه المرأة تأتى إلى ابنها أو أخيها فتقول انصرف الناس يكْفونك (هيّه جت عليك؟)، ويجىء الرجل إلى ابنه وأخيه فيقول غدا يأتيك أهل الشام فما تصنع بالحرب والشر (خلينا ف حالنا)، انصرف، فيذهب معه.   فما زالوا يتفرقون ويتصدعون ويرحلون، حتى نظر مسلم حوله بعد صلاة المغرب فلم يجد إلا ثلاثين نفسا!    3970 جنديا يرحلون عن قائدهم فيظل وحيدا فى المسجد بلا سند وبلا درع.    لم يكن مسلم بن عقيل ساعتها يشعر بشىء لنفسه، لكن كان همه الأول الأوحد على الحسين القادم من جنة الحلم بالعدل إلى صحراء الواقع المظلم!   خرج مسلم من باب المسجد فى عشرة فقط من جنوده ثم صار وحيدا فى ظلام الكوفة.   وحيدا، واستند بعد تعب ومشقة وعطش وجوع إلى سور قديم لمنزل، فخرجت سيدة فنهرته، فعاتبها وأخبرها أنه مسلم بن عقيل رسول الحسين وصاحب بيعته والمخدوع بجموع الآلاف والمظلوم بالثقة بالناس.   – كذبنى هؤلاء القوم وأغرونى.   فأدخلته بيتا تملكه إلى جانب دارها، ولكن ابنها حضر بعد لحظات فرآها تكثر الدخول والخروج من الدار، فاستجوبها فأخبرته طالبة منه حفظ السر وصون الأيمان، لكنه أفشى السر، فأرسل عُبيد الله بسبعين رجلا حتى أتوا الدار، فلما سمع عقيل حوافر الخيل وأصوات الرجال، عرف أن غدرا -مجددا- قد حاق به وأن حصارا مضروب حول داره، فخرج إليه مستشهدا بسيفه وشد عليهم ضربهم حتى أخرجهم منها مرتين.   فلما رأوا قوته وبسالته، ألقوا عليه الحجارة وأشعلوا النار فى القصب ورموه به فأخذ مسلم يقاتلهم فى السكك والحوارى حتى أقبل عليه من قال له:   – يا فتى، لك الأمان لا تقتل نفسك.   وكان مسلم قد بلغ مبلغه من الجروح بالسيوف والرماح والإجهاد من العصف بالحجارة والنيران والعتمة من الدماء التى كست وجهه.   فصدق بحسن نية المثاليين ونقاء الأتقياء..   فاقتربوا منه واجتمعوا حوله، انتزعوا سيفه من يده…   ويدخلون بمسلم بن عقيل مكبلا بأغلاله إلى قصر بن زياد…   انتصب زياد حاكما ظالما وواليا جائرا وديكتاتورا بشعا متكررا:   – اصعدوا به فوق القصر فاضربوا عنقه ثم أتبعوا جسده برأسه. وجروا مسلم إلى السطح وهو يكبّر ويستغفر ويسبّح الله ويصلّى على رسوله، وقد أذاع قاتله أن آخر كلمات قالها مسلم بن عقيل قبل قتله «اللهم احكم بيننا وبين قوم كذّبونا وغرّونا وخذلونا وقتلونا».   ثم ضُرب عنقه..   وأُلقِىَ بجسده من فوق القصر..   وبعد لحظات من الصمت المفزع.. ألقوا برأسه فوق بلاط القصر!

2 Comments

  • nabil says:

    المجلس العسكرى والإخوان يدركون ان ثورة أخرى كالتى أطاحت بمبارك ربما تطيح بهم وتضعهم خلف القضبان،يظنون أن تفكيك الجمعيات الحقوقية سوف يحميهم من مواجهة مصير مبارك ومحاسبتهم، أما الإخوان فسوف يلفظهم الشارع المصرى بعد أن تعرف على أساليبهم الخداعية وتلونهم وأكاذيبهم التى لا يستحون من ترديدها سواء داخل قبة المجلس أو فى الفضائيات بغرض تشويه تاريخ الشرفاءوإلصاق التهم الباطلة بثوار مصر الأحرار، والإخوان والسلفيون مستعدون للتنازل حتى عن شرفهم مقابل أن يظلوا فى السلطة

  • admin says:

    أرجو ألا تكون هذه نهاية ثورتنا وشبابنا، وألا يكون المجلس والإخوان بمثل هذا البغى والطغيان، الله يستر على مصر وشعبها الحر

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Facebook Like Button for Dummies