السيد الاستاذ المستشار وزير العدل

تحية وإجلالا
هذا الخطاب يا سيدى المستشار يعبر عما يجيش فى صدور ملايين المصريين إزاء ما قام به بعض أعضاء قضائنا الموقر فى الانتخابات البرلمانيه.

لقد نص القانون على أن الدعاية الانتخابيه يتعين أن تتوقف قبل الانتخاب بثمانية وأربعين ساعه.  وقد كان هذا قرارا حكيما حتى يتم الانتخاب فى جو يسوده الهدوء والسكينه حتى يدلى كل مواطن بواجبه فى سلام وطمأنينه.  إذ أن الدعاية الانتخابيه تكون قد أتت ثمارها فى الفتره السابقه على الانتخاب ومن ثم يكون كل مواطن قد ترسخ فى ذهنه اسم المرشح الذى سيعطى له صوته, وبذلك تتم العمليه الانتخابيه بالصوره التى يتعين أن تكون عليها أى دولة راقيه ومتقدمه.

وإنى يا سيدى لن أتعرض للعامه الذين خالفوا هذا القانون ولكن ما يملأ كيانى وكيان أى قانونى فى مصر تلك المخالفات التى حدثت من القضاه الذين كان منوطا بهم حفظ القانون والالتزام بكل القواعد الانتخابيه بما فيها الدعايه بكل ألوانها وأشكالها ودرجاتها.

إن بعض القضاه كانوا يقولون للناخبين “إنتخب حزب الحريه والعداله”.  وأصارحكم القول إنى انزعجت لهذا الخبر أشد انزعاج.  فقد كنت أخشى أن نعود إلى العهد السابق بما فيه من فساد.  ذلك أن الفساد كان قد طال للاسف اشديد قضاءنا الشامخ العظيم, أو بمعنى أدق, الذى كان عظيما.

لقد تمت تلك التجاوزات فى العهد السابق تحت ستار الماده الثانيه التى تنادى بأن “دين الدوله الاسلام والشريعه الاسلاميه هى المصدر الرئيسى للتشريع”.  ورغم أنه واضح من النص وضوح الشمس أن تلك الماده تخاطب المشرع فقط, إلا أننا وجدنا أن قضاة كثيرين كانوا يطبقونها فينصبوا أنفسهم مشرعين وقضاة فى نفس الوقت.

فمثلا فى جريمه أخلاقيه ارتكبت من شاب مسيحى مع فتاه مسلمه بارادتها المطلقه, تطوع أربعة من الرجال لاغتيال الشاب, وحين لم يجدوه اغتالوا والده البرئ الذى لم يرتكب ذنبا أو إثما.  لم يترددوا فى أن يغتالوه رغم أن الشريعه الاسلاميه تقول “لا تزروا وازرة وزر أخرى”.  ثم أحيل الشباب الاربعه إلى محكمة الجنايات.  صدر الحكم ببراءة المتهمين الاربعه.  وقد كان ذلك تأسيسا على أنه “لا يؤخذ دم مسلم بكافر”, كما أنه كان مباركة لفكرة الانتقام “والثأر” المتخلف.  وفى حقيقة الامر كان ألقانون الذى يلتزم به القاضى هو الذى اغتيل.

لم يكن هذا غريبا فى عهد عرف بالفساد والافساد لكل الحياه السياسيه والمدنيه والاقتصاديه وكذلك ….. القضائيه.  ولكن حيث أن هناك ثوره وأنه يتعين على مصر أن تخطو خطوات الحريه والديمقراطيه اللذين لن يتحققا إلا بدولة القانون, فمن ثم يكون القانون هو الذى يعلو المجتمع والمواطنين, وعلى أولهم ….. القضاه.

ولكن للاسف نجد أن بعض القضاه يقومون بدور الدعاه فى الانتخابات وهم فى عقر محراب الانتخاب.  فيطلبون من الناخبين انتخاب الحريه والعداله.  وبذلك يخالفون دورهم الحيادى حيادا مطلقا فى الانتخابات.  وإذا كان لا يجوز لقاض أن يقوم بدور الداعى للانتخاب فما بالكم إذا كان هذا الانتخاب هو رقيب عليه وعلى كل سلوكياته وتصرفاته وتصرفات الناخبين. هل يجوز أن ينهى عن خلق ويأتى مثله؟  كذلك ينص القانون على أن الدعاية الانتخابيه تنتهى قبل التصويت بييومين   فكيف يقوم القاضى المنوط به الالتزام بهذا القانون أن يخالفه وقت الانتخاب؟

سيدى وزير العدل …   لم يكن  الامر قاصرا على الدعايه الانتخابيه, بل تعدت هذا إلى التزوير.  نعم يا سيدى المستشار … التزوير.  كان بعض القضاه يقومون بملء نماذج الانتخاب ويضعونها فى صندوق الانتخاب.

هل يمكن أن يكون هذا مسلك القاضى أيا كانت عقيدته أو معتقده أو الحزب الذى ينتمى إليه؟

سيدى المستشار … وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل.  فكيف أطمئن إلى قاضىّ الطبيعى, وكيف ألجأ إليه إذا كان خصمى له زبيبه؟ كيف أطمئن إلى أى حكم يصدره أى قاض يطبق القانون وفق ما يرتأيه بعيدا عن نصوص القانون  أو الدستور. بيما المفروض أنه يلتزم التزاما مقيدا قيدا مطلقا بأحكامه؟  لا تقل لى يا سيدى أن فى الاستئناف خير ملاذ.  ذلك أنه ليس من القاعده أن أخسر أى درجه من درجات التقاضى دون وجه حق؟  ثم من ادرانى أن يكون قاضى الاستئناف له نفس مبدا قاضى أول درجه؟

كيف أطمئن إلى أى قاض فى أى نزاع بينى وبين متخاصم مسلم؟  إنه لن يتردد فى أن يساند خصمى المسلم لانه ” أنصر أخاك ظالما أو مظلوما” وطبعا لن يلتفت إلى باقى الحديث “بأن ترده عن ظلمه”.  كيف أطمئن إلى قاض سمح لنفسه أن يحنث باليمين الذى أقسمه فيخالف القانون؟  كيف يمكن أن أطمئن إلى مثل هذا القاضى؟  كيف يدعى أو أتصور أنه يمكن أن يطبق القانون بنزاهه وحيدة تامه؟

سيدى … إن القاضى الذى يسمح لنفسه بأن يخالف القانون, بل أكثر من هذا وأخطر إذ يسمح لنفسه بأن يقوم بالتزوير هل يمكن أن يقيم العداله المطلقه والعمياء التى لا تنظر إلى دين المتخاصم أوعقيدته؟

فى العهد السابق والذى لن أتردد فى أن أسميه العهد الاسود كان هناك نزاع بشأن أرض ملكا لدير الانبا أنطونيوس, وهو أقدم دير فى مصر.  بعد طول النزاع وجدت الكنيسه مستندات ملكية الدير فقدمتها وهى مطمئنه غاية الاطمئنان.  لما كان هناك اضطهاد ممنهج ضد الكنيسه فلم يتردد الاستاذ القاضى بأن يفتى بأنه تأسيسا على قدم هذا الدير وهذه الارض, تدخل فى ملكية الدوله بحسبان هذه الارض أرضا أثريه.  ما رأيكم فى مثل هذا الحكم الذى ينم على أن التعصب وصل إلى عصب القضاء؟  أرض صحراويه وبعضها مزروع بواسطة الرهبان تصبح أثريه.  وهذا الحكم لم يكن إلا تعبيرا عن روح التعصب البغيض الذى جعل كل مسيحى غير آمن على يومه أن غده.

أمام ثورة اللوتس كنا نتوقع أن يكون قضاؤنا شامخا كما كان قبل ستين عاما, ولكن أقولها بملء الفم هذا لم يحدث والبادى أنه لن يحدث.

سيدى المستشار … إن العداله عمياء لا تعرف دينا ولا جنسا ولا موطنا ولا أى اعتبار آخر إلا الحق والحق وحده وتحت مظلة واحده فقط هى مظلة القانون الذى يطبقه وليس القانون الذى يأتى به من عندياته وفق ما يراه من هوى أو تعصب.

سيدى … إن العهد الاسود عمل على تصفية كل الجهات الحساسه بما فيها القضاء من المسيحيين, فكانت هذه هى النتيجه أن حل محلهم المتطرفون الذين لا يؤمنون إلا بعقيدة … أنصر أخال ظالما أو مظلوما (فقط), ومن ثم تداعت كل قيم العداله التى لا تفرق بين متخاصم وآخر أيا كان.  فتداعت كل مبادئ تكافؤ الفرص.

سيدى حدث فى الفيوم منذ أيام معدوده حادث لا يرتكب فى شريعة الغاب.  ثلاثه من الرجال حاولوا خطف سيده كانت تسير مع زوجها.  كانت هذه السيده سافره … أى أنها مسيحيه.  العهد الاسود عمل على ترسيخ مفهوم أن أموال ونساء وفتيات المسيحيين مباحه للمسلمين.  لم يتردد الثلاثه من محاولة خطف الزوجه لاغتصابها طبعا. لماذا؟  لانه قد ترسخ فى أذهانهم أن القانون سوف يحميهم بطريقة أو بأخرى لان المعتدى عليها كافره.  هذا ما تعلموه من النظام السابق الاسود.  هنا يا سيدى سؤال يفرض نفسه …. كيف سيكون الامر بعد ثوره 25 يناير؟

سيدى الوزير… إننا نطرح هذه القضيه أمام عدالتكم وليس  لنا توجيه لا سمح الله بل نتركها لعدالتكم لاتخاذ ما ترونه مناسبا من إجراءات حتى يطمئن كل مواطن إلى قاضيه الطبيعى فيدخل المحكمه وهو يعلم أن من بها هو المتخاصم وخصمه والمحاميان والقاضى وصوت الله لانه صوت الحق والعدل.  وقبل هذا وذاك ….. حتى تكون الانتخابات نزيهه.

سيدى … إننا نريد أن يكون صوت القاضى المصرى صوت العدل والحق.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والاجلال.

                                                         حنا حنا المحامى

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Facebook Like Button for Dummies